01 - 11 - 2026

كلام والسلام | عند .. الحلاق

كلام والسلام | عند .. الحلاق

تلك البقعة الجغرافية الضيقة التي تختزل العالم في مرآة حائط ، وكرسي هيدروليكي يصعد بك إلى سماء الأمل، ويهبط بك إلى أرض الواقع، تمامًا كما تفعل قرارات الحكومة الاقتصادية.

الحلاق ليس مجرد رجل يحمل مقصًا؛ إنه رئيس تحرير جريدة الرصيف اليومية، ومحلل جيوسياسي غير معتمد، وطبيب نفسي يداوي جراح رأسك بـ الكولونيا؛ التي تلسع الجلد؛ وتنعش الروح.

تدخل الصالون مستسلمًا، فالحلاقة هي المرة الوحيدة التي يدفع فيها المواطن المال لشخص يمسك بموسٍ حاد؛ ويضعه على رقبته وهو يبتسم!

تجلس على الكرسي، فيدثرك الحلاق بملاءة بيضاء، كفن مؤقت لكرامتك الشخصية؛ التي ستتبخر خلال النصف ساعة القادمة.

يبدأ الحلاق طقوسه بسؤال فخّاخ: على كام يا بيه؟

سؤال يبدو بريئًا، لكنه يحمل في طياته أبعادًا فلسفية. لو قلت له خفف الجوانب، سيعتبرها تفويضًا مطلقًا من الجمعية العمومية لإبادة شعر رأسك؛ حتى تبدو مثل لمبة نيون.. في ليلة شتوية.

ومع أول تكة للمقص، تنطلق وكالة الأنباء:

في السياسة: يبدأ بربط سعر ربطة الفجل بانتخابات الرئاسة الأمريكية، مؤكدًا لك بصوت خفيض أن ترامب لم يكن لينجح .. لولاه!

في الاقتصاد: يشرح لك نظرية التضخم؛ بينما يمرر الماكينة رقم ٢ فوق أذنك، ويقنعك أن الحل الوحيد للأزمة العالمية؛ هو إلغاء التعامل بالدولار والعودة لـ المقايضة، على أن تكون الحلاقة مقابل كيلو طماطم!

في الرياضة: يتحول فجأة إلى مدرب وطني، يلعن خطة اللعب، ويقسم أن المهاجم الفلاني لو جالي الصالون هنا؛ هحلق له زيرو فشر قرعة التوأم.. عشان يعرف يلعب!

أما المأساة الحقيقية، فتكمن في الزبون المنتظر.

ذلك الكائن الذي يجلس على الكنبة الجلدية المتهالكة، يتصفح مجلة من عام 2012 تهترئ صفحاتها، ويبادلك نظرات تعاطف صامتة، كأنه سجين يرى زميله يُقاد إلى غرفة التحقيق.

تنتهي المعركة بضربة فرشاة عنيفة على قفاك، تتركك مذهولًا تتطاير منك البودرة؛ كأنك قنبلة دقيق انفجرت للتو.

يمسك الحلاق بالمرآة الصغيرة، ويعرض عليك قفاك من الخلف في حركة سينمائية مستفزة. نعيما يابيه!

بالطبع لا ترى شيئًا، لكنك تهز رأسك بالموافقة؛ وتبتسم ابتسامة بلهاء؛ خوفًا من أن يعيد ترتيب قفاك بموس آخر.

تدفع الحساب وتكتشف أن تسعيرة قص الشعر ارتفعت مجددًا؛ لأن موس الحلاقة مستورد بالعملة الصعبة.

تخرج إلى الشارع لتنظر في أول واجهة زجاجية تقابلك، لتكتشف أنك لم تعد تشبه نفسك، بل أصبحت تشبه واحد كان صاحبك وأكتشفت متأخرا؛ أنك لم تحبه يومًا.

تتنفس الصعداء وتتحسس رأسك العاري، مواسيًا نفسك بالعبارة المصرية الخالدة؛ التي تلخص كل كوارثنا: الحمد لله.. بكره يطول؟!
-----------------------------------
بقلم: خالد حمزة
[email protected]

مقالات اخرى للكاتب

كلام والسلام | لولا.. الساحر